عبد الرحمن السهيلي
199
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أيضاً ، فقف بقلبك على حكمة الله تعالى في تعبد الخلق به لما فيه من التذكرة بإنشاء هذا الجنس ومبدئه ، كما قدمنا ، ولما فيه أيضاً من التذكرة بأحدية الله سبحانه ، وانفراده قبل الخلق بنفسه ، فإنك إذا كنت في الجمعة ، وتفكرت في كل جمعة قبله حتى يترقى وهمك إلى الجمعة التي خلق فيها أبوك آدم ثم فكرت في الأيام الستة التي قبل يوم الجمعة ، وجدت في كل يوم منها جنساً من المخلوقات موجوداً إلى السبت ، ثم انقطع وهمك فلم تجد في الجمعة التي تلي ذلك السبت وجوداً إلا للواحد الصمد الوتر ، فقد ذكرت الجمعة من تفكر بوحدانية الله وأوليته ، فوجب أن يؤكد في هذا اليوم توحيد القلب للرب بالذكر له ، كما قال تعالى : « فاسعَوْا إلى ذِكْر اللَّهِ وذَرُوا البيعَ » الجمعة . وأن يتأكد ذلك الذكر بالعمل ، وذلك بأن يكون العمل مشاكلاً لمعنى التوحيد ، فيكون الاجتماع في مسجد واحد من المساجد ، وإلى إمام واحد من الأئمة ، ويخطب ذلك الإمام ، فيذكر بوحدانية الله تعالى وبلقائه ، فيشاكل الفعل القول ، والقول المعتقد ، فتأمل هذه الأغراض بقلبك ، فإنها تذكرة بالحق ، وقد زدنا على ما شرطنا في أول الكتاب معاني لم تكن هنالك ، وعدنا بها ، ولكن الكلام يفتح بعضه باب بعض ، ويحدو المتكلم قصد البيات إلى الإطالة ، ولا بأس بالزيادة من الخير ، والله المستعان . إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسمع أهل مكة هاتفاً يهتف ، ويقول قبل إسلام سعد : فإن يسلم السّعدان يصبح محمدٌ * بمكة لا يخشى خلاف المخالف فحسبوا أنه يريد بالسعدين : القبيلتين سعد هذيم من قضاعة ، وسعد بن زيد مناة بن تميم ، حتى سمعوه يقول : فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصراً * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا * على اللّه في الفردوس منية عارف فعلموا حينئذ أنه يريد سعد بن معاذ وسعد بن عبادة . هل يغتسل الكافر إذا أسلم : وذكر فيه اغتسالهما حين أسلما بأمر مصعب بن عمير لهما بذلك ، فذلك السنة في كل كافر يسلم ، ثم اختلف في نية الكافر إذا أسلم باغتساله ، فقال بعضهم ينوي به رفع الجنابة عن نفسه ، وقال بعضهم : ينوي التعبد ، ولا حكم للجنابة في حقه ، لأن معنى الأمر به استباحة الصلاة ، والكافر لا يصلي ، وإن كان مخاطباً في أصح القولين ، ولكنه أمر مشروط بالإيمان ، فإذا لم يكن الإيمان وهو الشرط الأول فأجدر بأن يكون الشرط الثاني وهو الغسل من الجنابة غير مقيد بشيء ، فإذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله ، فلم يجب عليه إعادة صلاة مضت ، وإذا سقطت الصلوات سقطت عنها شروطها ، واستأنف الأحكام الشرعية ، فتجب عليه الصلوات من حين يسلم بشروط أدائها من وضوء وغسل من جنابة ، إذا أجنب بعد إسلامه ، وغير ذلك من شروط صحة الصلاة ، ورأيت لبعض المتأخرين أن اغتساله سنة لا فريضة وليس عندي بالبين لأن الله سبحانه يقول : « إنما المشركون نَجَسٌ » التوبة وحكم النجاسة إنما يرفع بالطهارة ولم يحكم عليهم بالتنجيس لموضع الجنابة ؛ لأنه قد علق الحكم بصفة الشرك . والحكم المعلل بالصفة مرتبط بها فإذا ارتفع حكم الشرك بالإيمان لم يبق للجنابة حكم كما إذا كان المسلم جنباً ، ثم بال فالطهور من الجنابة ، يرفع عنه حكم الحدث الأصغر ، وهو حدث الوضوء ، لأن